السبت، 28 يونيو 2025

 الجزء الرابع: وادي الطين الحار

 الجزء الرابع: وادي الطين الحار


في صباح اليوم التالي، شقّ صلاح طريقه عبر ممرات الجبل القديمة، يقوده خُزام، ذلك العجوز الغامض الذي ظهر كظل من الماضي. لم يتحدثا كثيرًا، لكن كلما وقف خُزام على صخرة أو نزل واديًا، كان يتمتم بكلمات بلغة لم يسمعها صلاح من قبل، لغة تشبه همسات الرياح بين أشجار الزيتون القديمة.


بعد ساعات من السير، وصلا إلى مكان غريب… أرض منخفضة يغمرها بخار كثيف، ورائحة الطين الساخن تملأ الأجواء. كانت الأرض لزجة، تموج تحت القدمين، وتخرج منها فقاعات صغيرة تنفجر ببطء، كما لو أن الجبل يغلي من الداخل.


قال خُزام:


> "هذا هو وادي الطين الحار... أرض الكاهنة التي لا تنام. كن حذرًا، فهنا تُختبر القلوب قبل الأجساد."




وما إن نطقها، حتى شقّ الضباب طريقًا نحو كوخ طيني وسط الوادي، سقفه من أغصان النخيل، ودخانه يخرج بلون بنفسجي غريب.


دخل صلاح وحده.


في الداخل، وجدها…


الكاهنة.


كانت امرأة في الستين من عمرها، لكن عينيها تشعان كبريق البرق. شعرها مجدول بخيوط النار والطين، وجلست أمام مرآة من حجر أسود.


قالت دون أن تنظر إليه:


> "أهلاً بك يا من كُتب عليه أن يُكمل السيف."




ثم نظرت نحوه وأردفت:


> "القطعة المفقودة ليست حجرًا... بل ذكرى."




اقترب صلاح وسأل: – ماذا تقصدين؟


أجابت: – لن تأخذها حتى تتذكر أولى صدماتك... أول ألم حقيقي في قلبك.


فجأة، اشتعل الطين تحت قدميه، وظهر أمامه مشهد لم يره منذ الطفولة… موت والدته. تلك الليلة التي حاول أن ينساها دائمًا، حين سقطت في وادٍ وهم يهربون من لصوص الجبل.


بكى. لكنه لم يتحرك.


قالت الكاهنة:


> "أحسنت... لا يُكمل السيف إلا من عرف الحزن واحتمله."




ثم رفعت يدها، وظهرت في الهواء قطعة السيف المكسور، تدور في حلقة نار.


> "لكن تذكر… كلما اكتمل السيف، اقترب الظل. والظل لا يرحم."




أمسك صلاح القطعة، فاندمجت مع السيف تلقائيًا. اشتعل الضوء من جديد، والسيف صار أطول، أشد وهجًا، كأنه خُلق من برق الجبل نفسه.


خرج من الكوخ، وفي قلبه قوة جديدة… وقصة تنتظر أن تروى.



---


هل نتابع غدًا الجزء الخامس: ظل الرمال؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق